أحلام مهتدية
   
الابتلاء والصبر
موقع البرهان
الأربعاء 16 محرم 1432هـ الموافق:22 ديسمبر 2010م

من أهم عوامل الثبات على الحق تحلي النفس بفضيلة من أهم الفضائل وهي فضيلة الصبر.
قال الله تعالى: (( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )) [العصر: 1-3].
وقال الله تعالى: (( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ )) [آل عمران: 140-142].
الصبر مطية لا تكبو، وصارم لا ينبو، وحصن لا يهدم، وحد لا يثلم، الصبر أفضل عدة على الشدة، وأكرم وسيلة لنيل الفضيلة، وأحسن أسلوب لطمأنينة القلوب، الصبر حسن توفيق، وأمارة سعادة، ودليل رشادة، وعنوان إيمان، ونموذج إذعان، الصبر رضا بالقدر، وتحمل للبلاء، وتسليم للجبار، واستجابة لمقدر الأقدار.. الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب، وحبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع.
والحادثات إذا أصابك بؤسها                  فهو الذي أدراك كيف نعيمها
إذا ادلهمت الأمور، واسودت الحياة، وأظلمت الدنيا؛ فالصبر ضياء‍.
إذا عظم الجزع، واشتد الخوف، وهيمن القلق فالصبر جلاء‍.
إذا انسدت المطالب، وعظمت المصائب، وكثرت الرزايا، وزادت البلايا، فالصبر دواء‍.
إذا نزل المكروه، وحل الأمر المخوف، واحتيج لمصارعة الحتوف فالصبر التجاء.
إذا أصبح الدين في غربة، والإسلام في كربة، وعمت المعاصي، وهيمنت الشهوات، وعظمت الشبهات فالصبر عزاء‍.
قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [البقرة: 153].
واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر.
بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور، وعند انسداد الفُرَج تبدو مطالع الفَرَج، ومن يتصبر يصبره الله.
الصبر دليل على عظمة الإرادة، وقوة العزيمة (( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )) [الشورى: 43].
الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.
الصبر تجرع المرارة من غير تعبس، والرضا بالمكتوب من دون تسخط.
 الصبر البعد عن المخالفة، والسكون عند تجرع الغصة، وإظهار الغنى مع حلول الفقر، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وترك الشكوى، وهو من آكد الدلائل على المحبة، وأصدق البراهين على الإيمان، فهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له (( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )) [آل عمران: 146].
الصبر في القرآن الكريم:
الصابرون تفتح لهم الأبواب، ويوفون أجرهم بغير حساب، قال تعالى: (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) [الزمر: 10] ويعطون جزاءهم بأحسن أعمالهم، قال جل وعلا: (( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) [النحل: 96]، زفت لهم البشارة فقيل لهم: (( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) [البقرة: 155-157]، وبشروا بقبول الأعمال الصالحة والحظوظ العظيمة، فقيل عنهم: (( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )) [فصلت: 35].
الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب وتمام المنة ودخول الجنة كل ذلك يناله الصابرون (( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ )) [الرعد: 23-24].
وكفى بالصبر شرفاً أن من أسماء الله جل وعلا (الصبور)، وهو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام.
وقد ورد الصبر في القرآن الكريم في سياقات عديدة منها:
1- الثناء على أهله، قال تعالى: (( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ )) [البقرة: 177].
2- الاستجابة لأمر الله تعالى بالصبر والاستعانة به، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [البقرة: 153].
3– الإخبار أن أهل الصبر من أهل العزائم، قال تعالى: (( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )) [الشورى: 43].
4- أن صاحبه يورث الإمامة، قال تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )) [السجدة: 24].
وقد قيل: الصبر لله غناء، وبالله بقاء، وفي الله بلاء، ومع الله وفاء، وعن الله جفاء، والصبر على الطلب عنوان الظفر، وفي المحن عنوان الفرج.
والصابر اليوم عن المعصية يتلظى بنار حامية، وتعرض له في كل يوم داهية، يهرب من المعصية فتلاحقه، يتحصن في بيته فتتسلق جدران البيت وتدلف إليه، يفر إلى البر يجدها أمامه، يلوذ بالبحر فإذا بها تستقبله، يحلق في الجو فتقول له: هيت لك. إن استنقذ منها نفسه عجز عن استنقاذ أبنائه وذويه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن (( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً )) [آل عمران: 120]، وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [آل عمران: 200].
سنة الابتلاء في الحياة الدنيا:
لقد جعل الله ـ الحياة الدنيا بلاءً واختباراً لبني الإنسان، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، والطالح من الصالح، والمفسد من المصلح، ويرفع أهل الإيمان، ويهتك الحجاب عن أهل الكفران، وليظهر تفاوت ما بينهم في الخير والشر، فيجزي كلاً بما هو أهله، فيجعل الخبيثين في نار تتفاوت دركاتها بتفاوت كفرهم وخبثهم وشرورهم وسيئاتهم وفسادهم، وينزل الطيبين في جنة تتفاوت درجاتها بتفاوت إيمانهم وطيبهم وخيرهم وحسناتهم وصلاحهم، قال الله تعالى: (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )) [الملك: 2].
المؤمن مبتلى:
(إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ودار ترح لا دار فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشدة، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ويبتلي ليجزي) [رواه الديلمي عن ابن عمر].
والليل مهما طال                  فلا بد من الفجر
والعمر مهما طال                 فلابد من القبر
مصائب المؤمنين مصائب دفع أو رفع، فالمؤمن متى ضعفت همته، أو فرغت صلاته من الخشوع، أو قرأ القرآن فلم يشعر بشيء؛ تأتيه شدة تحثه على مضاعفة جهده، وتنعقد صلته بالله عز وجل، فيكون قد قفز قفزة، قفز وتابع، فكلما ضعفت همته، وكلما بطأ سيره، وكلما لانت إرادته تأتيه شدة تدفعه إلى الله عز وجل، تعزز مسيرته، وتقوي إرادته، وتسرع خطاه إلى الله عز وجل، هذه مصيبة الدفع، لذلك ورد في بعض الآثار: (أوحى ربك إلى الدنيا أن تشدّدي، وتكدّري، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي).
فالمؤمن مبتلى، والمؤمن مصاب، لكن مصيبته مصيبة دفع إلى الله ورفع لمقامه، قال تعالى: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) [البقرة: 155-157].
فرسولنا صلى الله عليه وسلم جاء يدعو أهل الطائف إلى الإسلام، فما كان منهم إلا أن كفروا به وسخروا منه، وأغروا صبيانهم كي يضربوه، وألجئوه إلى حائط، ودعا ربه الدعاء المشهور، فقال: (إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي) [السيرة النبوية لابن هشام].
جاءه ملك الجبال، وقال: يا محمد! إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. قال: (لا، اللهم! اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده).
فلماذا سمح الله لهؤلاء الصبية أن يضربوا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، ومن أقسم الله بعمره الثمين، ومن بلغ سدرة المنتهى في المقام الأعلى؟ لأن أي داعية إلى يوم القيامة لو أنه أوذي في سبيل دعوته فله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وبذلك يجبر خاطره، فإنه إذا كان سيد الخلق قد ضُرب ومع ذلك صبر وتحمل فإن أي داعية إذا ذاق شدة، أو ابتلي بأي نوع من أنواع البلاء فليعلم أن سيد الخلق عليه الصلاة والسلام قد ذاق ولقي أشد من ذلك فليصبر إذاً وليحتسب.
ولماذا اتهمت السيدة عائشة في أعز ما تملك امرأة؟ لأن أي مؤمنة إلى يوم القيامة لو أنها اتهمت خطأً وظلماً وعدواناً وهي بريئة مما اتهمت به، فلها في السيدة عائشة أسوة حسنة.
أقسام الصبر:
الصبر ثلاثة أقسام:
صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على المصائب والحوادث.
إن الدنيا دار بلاء ونكد، وهم وغم، وتعب ووصب، وضيق وقلق، وخوف وضجر، وأرق وسهر، إذا وصلت فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة، ليس لوصلها دوام، وما من فراقها بد، فهي غرور خادع، وأمل كاذب، وظل زائل، ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، فهي لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تخلي من محنة، نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى.
قال تعالى: (( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ )) [القصص: 60-61].
فمن نظر إليها بعين البصيرة أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتها عناء، وعيشها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، إما بنعمة زائلة أو بلية نازلة، أو منية قاضية..
ومن حكمة الله تعالى أن جعل الدنيا منغصة مكدرة، غدارة متقلبة، أحزانها كثيرة، ومصائبها عديدة، ونكباتها مخيفة، وهاهم الناس مع كل ما يلقونه منها متعلقون بأذيالها، مغرورون بجمالها، مفتونون بزينتها، مخمورون بسكرتها، فهي خمر الشيطان، من شرب منها لم يصح إلا في عسكر الموتى، فكيف لو كانت داراً للسرور والهناء، والراحة والدعة، والأنس والسلوان؟! إذاً لنسي الناس ربهم وجنته، وإلههم وعبادته، إلا من رحم ربك.
ومن فضله جل وعلا وعظيم كرامته وواسع فضله وبديع لطفه أنه لا يجمع على عبده عسرين، ولا يقرن له بين خوفين، فإن لحقه العسر أو الخوف في الدنيا، أو نزل به الهم، أو خيم عليه الغم، أو قارعته الخطوب، أو صارعته الحتوف، أو تعرض لنازلة، أو داهمته قارعة، أو فجعته مصيبة فإن الله يرفع بذلك في الآخرة درجاته، ويعلي منازله، ويكرم مثواه، ويعطيه أجره بغير حساب، حتى الشوكة يشاكها فيصبر ويحتسب يكفر الله بها من خطاياه، فيرفعه إلى درجة يتمنى معها أهل العافية في الدنيا أن أجسامهم قرضت بالمقاريض لما يرونه من ثواب أهل البلاء.
فمن تعرض لشقاء، أو مر به عناء فليلجأ إلى رب الأرض والسماء، فإن فرجه قريب، وجوده عظيم، وخيره عميم، يفرج الهم، ويكشف الكرب، ويغيث الملهوف، ويجيب الداعي، وينصر المظلوم.
هي الأيام والغير                        وأمر الله ينتظر
أتيأس أن ترى فرجاً                    فأين الله والقدر
وقد جمع الله تعالى للصابرين أربعة أمور لم يجمعها لغيرهم، وهي: حسن البشارة، والصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته لهم، قال تعالى: (( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) [البقرة: 155-157].
يقول صلى الله عليه وسلم(ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم! أجُرْني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها) [رواه مسلم].
مما يعين على الصبر:
هناك أمور إذا استشعرها المؤمن وجعلها نصب عينيه عند نزول المصائب أعانته على تحمل المصيبة والصبر عليها، منها:
الأول: أن يعرف أن الله عز وجل هو المتصرف فيما يريد، وأن هذا قضاؤه وقدره.
الثاني: ما دام مصير العبد إلى الله فيجب عليه أن يعلم أن هذه الدنيا إنما هي رحلة قصيرة مهما طالت، وأنه سيتركها عاجلاً أو آجلاً، وأنه سيلقى ربه كما خلق أول مرة بلا أهل ولا مال، ولكن سيلقاه بحسناته وسيئاته..
 
إن الأمور إذا سُدت مطالبها              فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه               إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته      ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
الثالث: أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفا وصبر، كما قال تعالى: (( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )) [الشورى: 40]، ولما كان الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: ظالم يأخذ فوق حقه، ومقتصد يأخذ بقدر حقه ومحسن يعفو ويترك حقه ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية، فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين.
ويشهد نداء المنادي يوم القيامة: ألا ليقم من وجب أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح، وإذا شهد مع ذلك فوت الأجر بالانتقام والاستيفاء؛ سهل عليه الصبر والعفو.
الرابع: أن يعلم أنه إن أوذي على ما فعله لله، أو على ما أمره به من طاعته ونهى عنه من معصيته وجب عليه الصبر ولم يكن له الانتقام، فإنه قد أوذي في الله، فأجره على الله، ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في الله لم تكن مضمونة، فإن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله لا على الخلق، فمن طلب الثمن منهم لم يكن له على الله ثمن، فإنه من كان في الله تلفه كان على الله خلفه.
الخامس: أن يشهد معية الله معه إذا صبر، ومحبة الله له ورضاه، ومن كان الله معه دفع عنه من أنواع الأذى والمضرات ما لا يدفع عنه أحد من خلقه، قال الله تعالى: (( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [الأنفال: 46]، وقال: (( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )) [آل عمران: 146].
السادس: أن يعلم أنه إن صبر فالله ناصره ولابد، فإن الله وكيل من صبر وأحال ظالمه عليه، ومن انتصر بنفسه لنفسه وكله الله إلى نفسه، فكان هو الناصر لها، فأين من ناصره الله خير الناصرين، إلى من ناصره نفسه أعجز الناصرين وأضعفه.
السابع: أن يعلم أنّ هذه المظلمة التي قد ظُلمها هي سبب إما لتكفير سيئة، أو رفع درجة.
الثامن: ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذي به، وهو اليقين، كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق ا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا أيها الناس! سلوا الله اليقين والعافية؛ فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيراً من العافية، فسلوهما الله).
الصبر في السنة:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم(عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم.
ومر النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال لها: (اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي -ولم تعرفه- فقيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) رواه مسلم.
وفي الحديث القدسي يقول تعالى: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) رواه البخاري.
ويقول صلى الله عليه وسلم(ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب ولا هَمّ ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه) رواه البخاري.
ويقول صلى الله عليه وسلم(ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفَّرَ الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) رواه الشيخان.
ويقول صلى الله عليه وسلم(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي.
صبراً فإن الصبر يعقب راحة        ولعلها أن تنجلي ولعلها
ويقول صلى الله عليه وسلم(إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع) رواه أحمد.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم(واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) رواه أحمد.
واستمع إلى هذا الحديث الناصع، والكلم الرائع، من الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة)رواه الترمذي.
من أقوالهم في الصبر:
قال ابن عقيل رحمه الله: «النعم أضياف وقراها الشكر، والبلايا أضياف وقراها الصبر، فاجتهد أن ترحل الأضياف شاكرة حُسْن القرى شاهدة بما تسمع وترى».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم من الشدة والضر ما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه لا يرجون أحداً سواه، فتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان وذوق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة، فإن ذلك لذات بدنية ونعم دنيوية، قد يحصل للكافر منها أعظم ما يحصل للمؤمن، وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عنه مقال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قيل: يا ابن آدم! لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك».
قال الأشعث بن قيس: «إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً وإلا سلوت سلو البهائم، واعلم أن الذي ابتلاه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ليمتحن صبره ويسمع تضرعه ويخوفه، قال تعالى: (( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ )) [المؤمنون: 76]، وقال تعالى (( وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )) [الزخرف: 48]».
قال الشيخ عبد القادر: «يا بني! المصيبة ما جاءت لتهلك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، يا بني! القدر سبع، والسبع لا يأكل الميتة، والمصيبة كير العبد، فإما يخرج ذهباً أو خبثاً».
يقول عمر ا: (وجدنا خير عيشنا في الصبر).
ويقول عبد الله بن مسعود ا: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله).
أشد الناس بلاءً:
قال النبي صلى الله عليه وسلم(أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل).
لقد ابتلى الله تعالى أحب الناس إليه، وأكرمهم عليه، وأقربهم عنده، فتلك سنة جارية وطريقة ماضية لرفعة الدرجة وإعلاء المنزلة وتمحيص الحب وتصفية القصد، وامتحان الولاء واختبار الوفاء، ولذلك نزلت بأنبياء الله تعالى مصائب مفزعة، وكوارث مذهلة، فما ازدادوا إلا صبراً، وما أفعموا إلا يقيناً، وما أعلنوا إلا رضا، قال تعالى بعد أن أثنى على أيوب وصبره: (( وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ )) [الأنبياء: 85-86].
كم لقوا من العناء! وكم واجهوا من البلاء، وتعرضوا للاستهزاء! فجعوا فى حبيب، وأصيبوا في قريب، واتهموا في عرض، وجرحوا فى كرامة، فكانوا مثالاً في الصبر، وآيةً في العزم، ونموذجاً في الإصرار، وأعلاماً في التضحية.
وإن كان الأنبياء مروا بأنواع من البلاء، وأعداد من المصائب، وأشكال من النوازل فإن البلاء كله، والامتحان أشده، والنكال أعظمه، والعناء أوجعه، والعنت أشقه تعرض له أكرم إنسان، وأعز مخلوق، وأطهر بشر، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمره مولاه جل وعلا بالصبر في آيات كثيرة، وبين له أن ذلك دأب المرسلين قبله، فطمأن فؤاده بأخبارهم، وقوى عزيمته بعرض سيرهم، قال سبحانه: (( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ )) [الأحقاف: 35].
لقد تفننوا في إيذائه، وتمادوا في معاندته وهو صابر محتسب، يرفع رأسه إلى السماء ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) رواه الشيخان.
وما ازداد إلا قوة ويقيناً، وصبراً وتضحية، وعزماً وإصراراً، عبرت سفينة صبره بحور البلاء، واقتحمت أمواج العناد، وتحطمت على عزائم إصراره فلول الشرك وكتائب المكر وقلاع الجحود وحصون الباطل.
لقد كان مؤمناً بربه، واثقاً بنصره، كيف لا وقد قال له ربه سبحانه: (( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )) [النحل: 126-128].
فوضت أمرك للديان مصطبراً           بصدق نفس وعزم غير منثلم
ولَّى أبوك عن الدنيا ولم تره           وأنت مرتهن لا زلت في الرحم
وماتت الأم لما أن أنست بها            ولم تكن حين ولت بالغ الحلم
ومات جدك من بعد الولوع به          فكنت من بعدهم فى ذروة اليتم
فجاء عمك حصنا تستكن به            فاختاره الموت والأعداء في الأجم
ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما      رئيت فى ثوب جبار ومنتقم
حتى على كتفيك الطاهرين رموا        سلا الجزور بكف المشرك القزم
أما خديجة من أعطتك بهجتها          وألبستك رداء العطف والكرم
غدت إلى جنة الباري ورحمته          فأسلمتك لجرح غير ملتئم
والقلب أفعم من حب لعائشة            ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رُمي
وشج وجهك ثم الجيش في أحد         يعود ما بين مقتول ومنهزم
لما رزقت بإبراهيم وامتلأت             به حياتك بات الأمر كالعدم
ورغم تلك الرزايا والخطوب وما       رأيت من لوعة كبرى ومن ألم
ما كنت تحمل إلا قلب محتسب          في عزم متقد في وجه مبتسم
بنيت بالصبر مجداً لا يماثله            مجد وغيرك عن نهج الرشاد عمي
كُتِب البلاء على أبي البشرية آدم عليه السلام، فهو أول من تعرض للبلاء، فإن الله خلقه في الجنة، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته، ونهاه عن أكل الشجرة، فوسوس له الشيطان، وكان منه ما قاله الرحمن في محكم كتابه: (( فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى )) [طه:121- 122].
هذا بعد أن أهبطه الله إلى الأرض، وأفقده لذيذ ذلك العيش، فانتقضت عادته، وغلظت محنته، وقتل أحد ابنيه الآخر، وكانا أول أولاده.
فلما طال حزنه وبكاؤه، واتصل استغفاره ودعاؤه، رحم الله عز وجل تذلـله وخضوعه، واستكانته ودموعه، فتاب عليه وهداه، وكشف ما به ونجاه.
فكان آدم عليه السلام أول من دعا فأجيب، وامتحن فأثيب، وخرج من ضيق وكرب إلى سعة ورحب، وسلا همومه، ونسي غمومه، وأيقن بتجديد الله عليه النعم، وإزالته عنه النقم، وأنه تعالى إذا استُرْحِم رَحِم.
فأبدله تعالى بتلك الشدائد وعوَّضه عن الابن المفقود والابن العاق الموجود نبي الله شيث صلى الله عليه وسلم، وهو أول الأولاد البررة بالوالدين، ووالد النبيين والصالحين، وأبو الملوك الجبارين، الذي جعل الله ذريته هم الباقين، وخصهم من النعم بما لا يحيط به وصف الواصفين.
وهكذا الأنبياء عليهم السلام، ما منهم نبي إلا وتعرض للبلاء، نوح وإبراهيم ولوط ويونس وموسى وعيسى عليهم السلام، ولكن ثقتهم بالله عظيمة، ورضاهم بقدره مشهود.
فهذا يعقوب عليه السلام بعد أن فقد أحب أبنائه إلى قلبه، وأقربهم إلى نفسه يوسف عليه السلام، وحزن عليه حزناً شديداً (( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ )) [يوسف: 84] بعد هذا الهم الكبير فقد ابنه الآخر (بنيامين) حينما احتجزه يوسف عنده في مصر، فلما جاءه خبر غيبة (بنيامين) لم يزد جزعُه وينفذ صبره ويبدو تسخطه، بل قال في ثقة المؤمن، وهدوء الصابر: (( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً )) [يوسف:83].
وممن تعرض للبلاء الشديد من أنبياء الله تعالى أيوب عليه السلام، فقد ابتلي بضر في جسده وولده وماله، فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر المقدور، وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين وأرحم الراحمين، فقال: (( أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) [الأنبياء: 83]، فعند ذلك استجاب له ربه، وقَبَل دعوته، ولبى نداءه، فأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض الأرض برجله، ففعل ذلك فأنبع الله عيناً وأمره أن يغتسل منها، فأذهب الله جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عيناً أخرى وأمره أن يشرب منها، فأذهبت ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهراً وباطناً، وذلك كله ثمرة الصبر، ونتيجة الاحتساب، وفائدة الرضى، قال تعالى: (( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )) [ص: 41-44].
سأل رجل الشافعي رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله! أيهما أفضل للرجل أن يُمَكَّن فيشكر الله عز وجل أو يبتلى فيصبر؟ فقال الشافعي: (لا يُمَكّن حتى يُبْتلَى؛ فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم ومحمداً صلوات الله عليهم أجمعين، فلما صبروا مَكَّنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم ألبتة).
وما هذه الأيام إلا منازل              فمن منزل رحب إلى منزل ضنك
الداعية والصبر:
إن الصبر من أعظم صفات الداعية التي لا يستغني عنها في دعوته للناس واختلاطه بهم، فهو لابد أن يلاقي من بعضهم الصدود والإعراض إن لم يلاق الأذى والعذاب والاضطهاد، فبالصبر يمضي في دعوته ولا يبالي بما يلاقيه في سبيلها من مشقة وصعاب.
فالداعية العالم - وريث الأنبياء في أخلاقهم وعلمهم ودعوتهم - لزاماً عليه أن يتحلى بالصبر ويتخلق به؛ لكي تنجح دعوته، وتسير في مواجهة الصعاب والأعباء التي لا بد أن تلاقي كل من سار في هذا الطريق ومشى فيه.
فيا ورثة الأنبياء! ويا حملة الرسالة! ويا دعاة الإسلام! ويا علماء الشريعة! ويا أبناء الصحوة! ويا أهل الخير والدعوة! ويا أيها المؤمنون! أنتم أحق الناس بهذه الصفة، وأحوج الخلق إلى هذه الخلة، فإنكم ستلقون خطوباً عظاماً، وعقبات كباراً، ومتاعب وآلاماً، تنوء بها الظهور، وتضعف عن حملها الجبال، فأنتم تدعون الناس إلى عبادة الله وحده، وهجر الهوى والشيطان، وترك المحاب والشهوات، وتطالبونهم بأن يقفوا عند حدود الله أمراً ونهياً، وفعلاً وتركاً، فأعداؤكم كثر ومعارضوكم أكثر الخلق، قال الله تعالى: (( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )) [الأنعام: 116]، فما أحوجكم إلى صبر تقطعون به هذه المفاوز! ومجاهدة تتحملون بها معارضة أكثر الخلق! فإن أشق ما على النفس أن تدعو بملء فيك وبأعلى صوتك بشيراً ونذيراً فلا تجد إلا آذاناً صماً وقلوباً غلفاً.
ما أمس حاجتكم إلى صبر جميل تستعينون به على تلقي ما يلحق بكم من أذى قولي أو فعلي، حسي أو معنوي، فأعداء الله لايرقبون في مؤمن إلَّاً ولا ذمة، ولا يتورعون عن إيقاع الأذى بشتى صنوفه على أولياء الله من العلماء والدعاة والعباد، بل وعلى كل من قال: (لا إله إلا الله)، وما قصة أصحاب الأخدود عنا ببعيد، ولا ما يجري على كثير من أهل الإسلام ورجالاته وعلمائه ودعاته من الأذى والقتل والضرب والسجن والمطاردة والإبادة ومصادرة الحقوق والحريات وغير ذلك عنَّا بغائب.
فعليكم -أيها المؤمنون- أن توطنوا أنفسكم على احتمال المكاره دون ضجر، وانتظار الفرج دون ملل، ومواجهة الأعباء والصعاب دون كلل، فإن هذه سنة الله تعالى في عباده، ليميز الخبيث من الطيب، قال الله تعالى: (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )) [آل عمران: 186].
وما أشد حاجتكم إلى الصبر -يا ورثة الأنبياء- عند تأخر النصر والمدد من الله؛ فإن النصر لا تشرق شمسه إلا بعد ليل طويل حالك مليء بالشدائد والمحن التي تدمع لهولها الأبصار، وتبلغ لشدتها القلوب الحناجر، قال الله تعالى: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ )) [البقرة: 214].
إننا في هذه الأزمان المتأخرة من أشد الناس حاجة إلى الصبر؛ فإن الباطل قد انتفش وكثر أعوانه ودعاته، فتكالبت علينا الأعداء من كل حدب وصوب، وقد أرشدنا إلى ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيها مثل القبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله)، رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وهو كما قال بمجموع طرقه، وتذكروا أن الصبر والمجد لا يحصل إلا بالتعب والكد.
بقدر الكد تكتسب المعالي                ومن طلب العلا سهر الليالي
قال تعالى: (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ )) [البقرة: 45].
بالصبر الجميل، بالمحافظة على الصلاة، بالخشوع لله تعالى، بالتقوى والدعاء، بصدق التوكل يأتي التوفيق، وتحل المغاليق، فهي حفظ لنا من الأعداء، وهي حرز لنا من الألداء، وهي عوننا وسندنا إذا خاب في الناس الرجاء.
يجب أن ندعو الله تعالى بما دعت به الفئة المؤمنة حينما برزوا لجالوت وجنوده، فنجاهم الله منه وهزموه وجنده: (( قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ )) [البقرة: 250]، ودعا به أتباع موسى فنجاهم الله من فرعون وأهلكه فقالوا: (( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ )) [الأعراف: 126].
أما لك في هؤلاء أسوة؟
لقد سجل المسلمون على مَرِّ التاريخ أروع آيات الصبر، وأسمى أحاديث الشكر، قرؤوا ما أعد الله للصابرين فاحتسبوا وصبروا، وتأملوا سنة المصطفى فاقتدوا وتأسوا، أرخوا سمعهم لنداء المولى فإذا به يقول: (( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) [البقرة: 155-157]، ونظروا إلى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فإذا به يقول: (ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيئاته، وحُطَّتْ عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها) رواه الشيخان.
لقد كتبت أسرة آل ياسر أعظم آيات الصبر، واحتملت أشد أنواع الأذى وأفدح البلاء، فمات ياسر ا وأرضاه تحت العذاب، وماتت سمية ل بطعنة فاجرة غادرة من أبي جهل، ورُمي عبد الله فسقط، ولم يبق منهم إلا عمار ا الذي واصل مسيرة الصبر وقصة الكفاح ورواية التضحية في خدمة الإسلام.
وصَبَر بلال على ما لا يطاق، وتحمل ما لا يحتمل، وصبر خباب وابن مسعود، وصبرت عائشة وأم سلمة وذات النطاقين، وغيرهم من أولئك الأفذاذ العظماء والأبطال النجباء، الذين صبروا على كل ما أصابهم فى سبيل الله وفي مرضاته، ي وجمعنا بهم فى جنات النعيم..
عروة بن الزبير:
ابتلي عروة بن الزبير ا بِداءٍ في رجله، فقرر الأطباء بترها، فقالوا له: اشرب المُرَقّد أو المخدر. فقال: لا أشرب مرقداً أبداً، إنما ابتلاني ليرى صبري، أفأعارض أمره؟! ولكني إذا كنت في الصلاة لا أدري عن شيء. فلما قام يصلي قطعت رجله من نصف الساق فلم يتحرك، فلما نظر عروة إلى رجله في الطست حين قطعت قال: اللهم! إنك تعلم أني لم أمش بها إلى معصية قط. ولم يترك عروة ورده من الليل تلك الليلة، وفي الوقت نفسه مات أحب أولاده إليه، ركضته بغلة فقتلته، فما كان من عروة إلا أن رفع يديه قائلاً: اللهم! كان لي بنون سبعة، فأخذت منهم واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت مني طرفاً وأبقيت لي ثلاثة، ولئن ابتليت فقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت.
وكان الناس في غاية العجب من صبر عروة بن الزبير على هذا البلاء الذي حل به.
وجاء رجل إلى الوليد بن عبد الملك، فإذا به ضرير محطم الوجه، ولكن ليس عليه شيء من علامات الجزع، فسأله الوليد عن سبب ضره وتحطم وجهه، فقال له: بت ليلة في بطن وادٍ، ولم يكن أحد من قريتي أكثر مني مالاً وعيالاً، فدهمنا سيل جرار، فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد، إلا صبياً رضيعاً وبعيراً صعباً، فند البعير والصبي معي، فوضعته واتبعت البعير لأحبسه وأمسك به، فعدت لأنظر إلى الصبي فإذا برأس الطفل في فم الذئب قد أكله، فتركته واتبعت البعير، فاستدار ورمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عيني، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد، فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم بلاءً منه.
ودخل رجل على مريض قد أكلت الأكلة أطرافه، فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت -والله- وكل عضو مني يألم على حدته من الوجع، لو أن الروم في شركها وكفرها اطلعت علي لرحمتني مما أنا فيه، وإن ذلك لبعين الله، أحبه إليّ أحبه إلى الله، وما قدر ما أخذ ربي مني؟ وددت أن ربي قد قطع مني الأنامل التي بها اكتسبت الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكراً.
فقال له الرجل: متى بدأت بك هذه العلة؟
فقال: أما كفاك؟ الخلق كلهم عبيد الله وعياله، فإذا رأيت من العبادة عيلة فالشكوى إلى الله، ليس الله يُشتكى إلى العباد.
وقال آخر: أُتيت برجل مجذوم ذاهب اليدين والرجلين أعمى، فجعلته مع المجذومين، فغفلت عنه أياماً ثم ذكرته، فقلت: يا هذا! إني غفلت عنك. فقال: إن لي من لا يغفل عني. قلت: إني أنسيتك. قال: إن لي من لا ينساني. قلت: إني لم أذكرك، قال: إن لي من يذكرني، قد شغلتني عن ذكر الله. قلت: ألا أزوجك امرأة تنظفك من هذه الأقذار؟ فبكى ثم قال لي: تزوجني وأنا أملك الدنيا وعروسها عندي؟ قلت: ما الذي عندك من ملك الدنيا وأنت ذاهب اليدين والرجلين أعمى، تأكل كما البهائم؟! قال: رضاي عن الله عز وجل؛ إذ أبلى جوارحي وأطلق لساني بذكره.
ومروا على رجل يوم القادسية وقد قطعت يداه ورجلاه وهو يضحك ويقول: (( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً )) [النساء: 69].
فيا من بليت اصبر واحتسب، واعلم أنه سيأتي يوم يتمنى فيه أناس أن أجسادهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء، واعلم أن البلاء ما يزال بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة، وما أعطي عبد عطاءً أحسن ولا أفضل من الصبر..
الصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقتُهُ                    لكن عواقبه أحلى من العسل
خمس بشائر للمكروب:
روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: (عجباً لمكروب غفل عن خمس، وقد عرف ما جعل الله لمن قالهن، قوله تعالى: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) [البقرة: 155-157]).
وقوله تعالى: (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ )) [آل عمران: 173-174].
وقوله: (( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا )) [غافر: 44-45].
وقوله: (( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ )) [الأنبياء: 87-88].
وقوله: (( وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )) [آل عمران: 147-148]).
بلوى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:
قال البستيّ في كتابه (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء): «سمعت إسحاق البغدادي بتستر يقول: كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء، وكان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم، فقال لي: دخلت يوماً على أحمد بن حنبل فإذا هو مغموم مكروب، فقلت: مالك يا أبا عبد الله؟ قال: خير، قلت: وما الخير؟ قال: امتحنت بتلك المحنة حتى ضربت، ثم عالجوني وبرئت، إلا أنه بقي في صلبي موضع يوجعني هو أشدّ عليّ من ذلك الضرب، قال: قلت: اكشف لي عن صلبك. قال: فكشف لي فلم أر فيه إلاّ أثر الضرب فقط، فقلت: ليس لي بذا معرفة، ولكن سأستخبر عن هذا.
فخرجت من عنده حتى أتيت صاحب السجن، وكان بيني وبينه فضل معرفة، فقلت له: أدخل الحبس في حاجة؟ قال: ادخل. فدخلت وجمعت فتيانهم، وكان معي دريهمات ففرقتها عليهم، وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي، ثم قلت: من منكم ضرب أكثر؟ فأخذوا يتفاخرون، حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضرباً وأشدهم صبراً، فقلت له: أسألك عن شيء؟ فقال: هات. فقلت: شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم، ضرب على الجوع للقتل سياطاً يسيرة إلا أنه لم يمت، وعالجوه وبرئ، إلا أن موضعاً في صلبه يوجعه وجعاً ليس له عليه صبر. قال: فضحك، فقلت: مالك؟ قال: الذي عالجه كان حائكاً. قلت: أيش الخبر؟ قال: ترك في صلبه قطعة لحم ميّتة لم يقتلعها. قلت: فما الحيلة؟ قال: يبطّ صلبه وتؤخذ تلك القطعة، ويرمى بها، وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته.
فخرجت من الحبس، فدخلت على أحمد بن حنبل فوجدته على حالته، فقصصت عليه القصّة، قال: ومن يبطّه؟ قلت: أنا. قال: أو تفعل؟ قلت: نعم. فقام فدخل البيت ثم خرج وبيده مخدتان، وعلى كتفه فوطة، فوضع إحداهما لي والأخرى له، ثم قعد عليها وقال: استخر الله، فكشفت الفوطة عن صلبه وقلت: أرني موجع الوجع. قال: ضع إصبعك عليه فإني أخبرك به فوضعت أصبعي وقلت: هاهنا موضع الوجع؟ قال: هاهنا أحمد الله على العافية. فقلت: هاهنا؟ قال: هاهنا أحمد الله على العافية. فقلت: هاهنا؟ قال: ها هنا أسأل الله العافية. فعلمت أنه موضع الوجع، فوضعت المبضع عليه، فلما أحسّ بحرارة المبضع وضع يده على رأسه. وجعل يقول: اللهم! اغفر للمعتصم، حتى بططته فأخذت القطعة الميتة ورميت بها، وشددت العصابة عليه، وهو لا يزيد على قوله: اللهم! اغفر للمعتصم، ثم هدأ وسكن وقال: كأني كنت معلقاً فأصدرت. قلت: يا أبا عبد الله! إن الناس إذا امتحنوا دعوا على من ظلمهم، ورأيتك تدعو للمعتصم؟ قال: إني فكرت فيما تقول، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة، هو مني في حلّ.
أمور ينبغي مراعاتها في الصبر:
قد يصبر بعض الناس على ما يصيبه من البلايا والرزايا، ولكنه يغفل عن أمور مهمة تركها يذهب بأجر الصبر أو ينقصه، فلابد على الصابر أن يراعي ما يلي:
1- لابد أن يراد بالصبر ابتغاء وجه الله تعالى، وطلب رضوانه، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ )) [الرعد: 22]، فلم يصبروا ليقال عنهم: أبطال وصابرون ومحتسبون. بل صبروا لله تعالى وابتغاء ما عنده.
2- أن يتوكل الصابر على الله ويثق بنصره، ويسلم لأمره، قال تعالى: (( الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )) [النحل: 42].
3- الصبر يثمر في حياة المتقين ودنيا الخاشعين، قال تعالى: (( وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً )) [آل عمران: 120]، وقال تعالى: (( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )) [آل عمران: 186]، وهذا يوسف بعد أن صبر على ما أصابه بَّين الحكمة في سبب فوزه وظفره وعزته، فقال تعالى عنه: (( قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )) [يوسف: 90]، وهذه آية تقرن بين الصبر والاستعانة بالله ولزوم التقوى، قال موسى لقومه: (( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )) [الأعراف: 128].
4- الصبر يثمر مع إقامة الصلاة والمحافظة عليها، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [البقرة: 153]، وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ )) [الرعد: 22].
5- الصبر يثمر مع الصدق والعبادة والإنفاق والاستغفار، وقد مدح الله عباده الذين أعد لهم أحسن المثوبة بقوله: (( الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ )) [آل عمران: 17]، وقال تعالى: (( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ )) [غافر: 55].
6- الصبر يثمر بالاحتساب، أي أن الإنسان يحتسب ما أصابه عند ربه، فيرجو مثوبته ويطمع في رحمته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم(إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيَّه من أهل الأرض فصبر واحتسب وقال ما أُمِر به بثواب دون الجنة)، وما أُمِر به هو قوله تعالى: (( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )) [البقرة: 156].
إن الصبر سلوة في الدنيا، ورفعة له في الآخرة..
اصبر ففي الصبر خير لو علمت      لطبت نفساً ولم تجزع من الألم
إن الصبر مفتاح الفرج، وإن مع العسر يسراً، وإن لكل بلاء جلاء، ولكل غائب أوبة.
إذا ما أتاك الدهر يوماً بنكبة           فأفرغ لها صبراً ووسع لها صدرا
فإن تصاريف الزمان عجيبة           فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسرا
وكم لك من خفي اللطف لطفاً          يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر            وفرج لوعة القلب الشجي
وكم همٍ تعانيه صباحاً                  فتعقبه المسرة بالعشي
إذا ضاقت بك الأسباب يوماً           فثق بالواحد الصمد العلي
إذا بلغ بك الجهد مبلغه فتذكّر خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف، وما قُوبِل به عليه الصلاة والسلام في الطائف من سَفَهٍ وضرب ورجم، ثم رجوعه إلى مكة ومبيته بوادي نخلة، وفي كلّ ذلك كان عليه الصلاة والسلام وحيداً راجلاً.
وإذا طالك الأذى من الأقربين فاقرأ (( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ )) [المسد: 1] يهون عندك كل أذى.
وإذا أُوذِيت في الله فتذكّر (سلا الجزور) حينما وُضِع على أشرف وأطهر كَتِف.
إذا آذاك السفهاء فتذكّر (( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ )) [البقرة: 142].
ولو أدموا عقبيك في طريق الدعوة، فتذكّر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما أدموا عقبيه في الطائف.
ولو سال الدم على وجهك فتذكّر قوله وهو يمسح الدم عن وجهه: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
وإن طالك الأذى فاقرأ (( وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً )) [الأحزاب: 48].
تذكّر أن موسى خرج خائفاً يترقّب وفي اللوح المحفوظ أنه نبيّ. قال ابن عباس: (لقد قال موسى: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وهو أكرم خلقه عليه، ولقد كان افتقر إلى شِقِّ تَمْرة، ولقد أصابه الجوع حتى لزق بطنه بظهره).
إذا ادلهمّت الخطوب، وضاقت بك السُّبُل، ولم تَرَ لانبلاج الصبح وجهاً فتذكّر يونس بن متى عليه الصلاة والسلام إذ نادى في الظلمات (( لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ )) [الأنبياء: 87].
وإذا أوذِيت فتأمل قول سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام: (لقد أوذِيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أُخِفْتُ في الله وما يَخَاف أحد، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما وَارَاه إبط بلال).
إذا أتاك الأذى ممن شاركوك الطريق فتذكّر قول أبي الحسن علي ا: (إلى الله أشكو عُجَرِي وبُجَرِي).
قال الشعبي: (رأى عليٌّ طلحة في وادٍ مُلقى، فنزل فمسح التراب عن وجهه وقال: عزيز عليَّ -أبا محمد- أن أراك مُجدلاً في الأودية تحت نجوم السماء، إلى الله أشكو عجري وبجري)، قال الأصمعي: معناه: سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي.
وإذا ضاقت بك الأرض بما رحُبت فتذكّر الثلاثة الذين خُلِّفوا، وقد هُجِروا قرابة خمسين ليلة، واعتزلهم الناس فلا أحد يُكلّمهم، حتى قال كعب بن مالك ا: (فاجتنبنا الناس، وتغيَّروا لنا، حتى تَنَكّرَتْ لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة).
إذا رأيت غَلَبَة الباطل فتذكّر: (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ )) [الرعد: 17].
فهذا مثل ضَرَبَه رب العزّة ـ فقال في آخر الآية: (( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ )) [الرعد: 17]، والأمثال لا يفهمها ولا يَعِيها كل أحد (( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ )) [العنكبوت: 43].
إذا رأيت صولة الباطل، وانتفاشة النفاق، فتذكّر أن ألدّ أعداء الدعوة وقفوا صاغرين بين يدي من عادَوه وآذوه، فقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)!
فصولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، فلا تحزن.
 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الابتلاء والصبر
الاسم:  
نص التعليق: